العلمانية
فضاء ديداكتيك مادتي التاريخ و الجغرافيا و علوم التربية و الفكر و الثقافة
| ► | مايو 2012 | ◄ | ||||
| سبت | أحد | إثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة |
| 1 | 2 | 3 | 4 | |||
| 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 |
| 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 |
| 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 |
| 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 | |

العلمانية
Normal
0
21
false
false
false
MicrosoftInternetExplorer4
/* Style Definitions */
table.MsoNormalTable
{mso-style-name:”Tableau Normal”;
mso-tstyle-rowband-size:0;
mso-tstyle-colband-size:0;
mso-style-noshow:yes;
mso-style-parent:”";
mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt;
mso-para-margin:0cm;
mso-para-margin-bottom:.0001pt;
mso-pagination:widow-orphan;
font-size:10.0pt;
font-family:”Times New Roman”;
mso-ansi-language:#0400;
mso-fareast-language:#0400;
mso-bidi-language:#0400;}
نظرة مؤرخ للمغرب في عهد الحسن الثاني .. لقاء- مناقشة مع عبد الله العروي
تقديم وترجمة: سعيد عاهد
عبد الله العروي هو، وفق التعبير الجاري، مفكر غني عن التعريف، كما تدل على ذلك غزارة وتنوع إنتاجه، واتساق و عمق أطروحاته الفكرية، وكثرة ما كتب عنه (…).
لقد اغتنمنا فرصة صدور كتابه الأخير «المغرب والحسن الثاني»، وإتمام عملية نشر مذكراته «خواطر الصباح» لنسعى إلى ملاقاته في حوار ـ مناقشة أردناه منصبا على الجوانب العملية. إذ حاولنا من خلال أسئلتنا أن نعرف بعض عناصر قراءة عبد الله العروي للتاريخ المغربي الراهن (1956 - 1999)، وكيف تلمس شخصيا، كمفكر وكمثقف وفاعل سياسي ملتزم، طريقه في متاهات زمن سياسي طبعته من بين ما طبعه المواجهات الدرامية والفرص الضائعة.
قراءة عبد الله العروي لعهد الحسن الثاني وللتجربة السياسية المغربية المعاصرة بصفة عامة، تتميز، على غرار إنتاجه النظري، باستحضار متواصل للوقائع في تعقدها وتداخلها، مما يجعلها في قطيعة تامة مع النظرة المانوية والدوغمائية الإيديولوجية. فقد شدت انتباهنا في حديث العروي عن التاريخ والسياسة وموقعه الذاتي كـ «متفرج ملتزم» (عبارة وصف بها آنفا المفكر الفرنسي ريمون آرون) عناصر ثلاثة:
- قراءة إرادوية للتاريخ كمسار منفتح يتحدد بأفكار واختيارات وأفعال البشر، وذلك بعيدا عن كل قدرية عمياء أو تأويل كلياني للتاريخ.
- إصرار على إعمال العقل في وصف ومقارنة وتأويل الوقائع والأحداث، باعتباره الأداة المتوفرة للبشر لتنظيم وتأويل معيشهم. وهذه العقلانية النشطة باستمرار تجعل قراءة العروي للسياسة ـ عكس السائد في الحقل العربي ـ أبعد ما تكون عن المقولات الأخفاقية (الخير والشر).
- ويتمخض عن العنصر السابق انحياز عميق للواقعية في الفكر والفعل السياسيين، وذلك ضد الطوباوية والرومانسية التي تؤثث الخطاب السياسي في المجال العربي ».
بهذه الفقرات الدالة افتتحت مجلة «مقدمات» عددها الصادر في صيف 2006، والذي تضمن ملفا عن فكر عبد الله العروي، وخاصة حوارا/نقاشا مطولا معه أجراه باحثون من هيئة تحرير المجلة في 25 نونبر 2005.
تعميما للفائدة، ونظرا لأهمية الحوار، نقدم ترجمته كاملة لقرائنا.
محمد الصغير جنجار:
نقترح أن يتمحور النقاش بين أعضاء هيئة تحرير «مقدمات» وذ. عبد الله العروي حول الكتب الأربع الأخيرة التي نشرها ضيفنا خلال السنوات الخمسة الأخيرة. تتضمن هذه النصوص نوعا من الوحدة الموضوعاتية، ذلك أن موضوعها هو التاريخ الحديث للمغرب ( 1956 - 1999 )، ويتعلق الأمر بالأجزاء الثلاث من «خواطر الصباح» المنشورة بين 2001 و 2003، والكتاب الأخير الموسوم بـ «المغرب والحسن الثاني» الصادر في 2005. جاء المؤلف الأول على شكل مذكرات سجل ضمنها الكاتب، يوما بعد يوم، ملاحظاته وانطباعاته وتحليلاته المتولدة عن بعض الأحداث التي أثرت فيه والتي حصلت بين 1967 و 1999 . ويمكن القول إن المؤلف جمع في هذه المذكرات المواد التي سيحللها لاحقا ضمن كتابه الأخير.
هكذا، فخواطر الصباح تشبه كراسات ملاحظات الأنثروبولوجيين أو التخطيطات الأولية للرسامين. ولذا فهذه المذكرات ضرورية بالنسبة لمن يريد قراءة «المغرب والحسن الثاني».
غني عن البيان أن هذا الكتاب الأخير كان منتظرا بتهلف، خاصة بعد نشر خبر صدوره في الصحافة. كان البعض ينتظر أن يضمنه عبد الله العروي معلومات مثيرة، وأن يكشف بين طياته بعض أسرار حكم الحسن الثاني، وهو تمرين عودتنا عليه عناوين صحفية وطنية وأجنيبة معينة منذ 1999.
الكتاب، في الواقع، نص تحليلي وتأملي يوظف المنظومة النظرية والأدوات التاريخية التي لم يتوقف المؤلف عن تطويرها منذ «الإيديولوجية العربية المعاصرة» (1967 ). ونظرا لكونه كذلك، فإن الكتاب خيب ظن الذين كانوا ينتظرون قراءة معلومات غير معروفة مدوية في صفحاته. وبالمقابل، اكتشف هؤلاء نصا جديدا في تركيبه (شهادة)، لكنه نص يتضمن العديد من عناصر الاستمرارية مع فكر تطور خلال مدة تفوق أربع عشريات.
طلبنا من ذ. عبد الله العروي النقاش مع ثلاثة باحثين، هم أعضاء في هيئة تحرير «مقدمات»، قرأوا مؤلفاته وسيحاولون عبر تساؤلاتهم وتأملاتهم، دعوته إلى تبيان فكر تميز، في الحقل الفكري العربي، بقوته النظرية و استمراريته وعمق تحليلاته لإشكالية الحداثة والتحديث والتأخر النظري للمجتمع المغربي.
الحسن الثاني، الوطنية والديموقراطية
حسن رشيق:
«المغرب والحسن الثاني» كتاب مكثف وغني بالمعلومات، الوثائق، التقييمات والشهادات. إنه يتضمن بورتريهات لفاعلين بصموا التاريخ السياسي الوطني، وأنا أتحدث هنا عن بورتريهات الحسن الثاني، بن بركة، عبد الرحيم بوعبيد، رضى اكديرة، وكذلك بورتريه علال الفاسي ولو بدرجة أقل. المؤلف ثري لدرجة تمنح القارئ سبلا عديدة لمقاربة مضمونه، وسأركز، من جانبي، على سبيلين اثنين: الأول يتعلق بالفاعلين والثاني بالكاتب نفسه.
سؤالي الأول هو التالي: ما المضمون الذي يمكن أن نعطيه للوطنية في مراحل ما قبل، أثناء وما بعد الحماية؟ بالطبع، لا يمكننا مناقشة شهادة على أساس كونها تحليلا ، او على أساس كونها إيديولوجية سياسية، ومع ذلك، سأتصرف كما لو أن عبد الله العروي يصوغ بعض التعريفات حول الوطنية، رغم أن هذا ليس بالضبط الموضوع المباشر للكتاب.
لماذا نزع الحظوة عن وضع الحسن الثاني كزعيم للوطنية؟ لماذا عدم إضفاء صفة وطني عليه، على غرار الآخرين، بالنسبة للمرحلة التي تمتد إلى 1974، مع بصم وطنيته بكونها مختلفة عن وطنية الآخرين بالطبع؟ تقول إن الحسن الثاني كان، إبان مروره بفلورانسا وهو ولي العرش، كان منذ ذاك رئيسا للحزب المناهض للوطنية؟
يجد هذا السؤال سنده في سببين اثنين. السبب الأول ذو طبيعة نظرية: يمكن للوطنية أن تتوافق مع الاستبداد، ذلك أنه لا يوجد، تاريخيا، تناقض بين أن يكون الإنسان وطنيا وعنصريا، ويكفي لتحقق هذا أن يمنح الولاء الأسمى للوطن.
ويمكن للإيديولوجيا أساس هذه الوطنية أن تكون التياسر، الشعبوية، الخ، كما تقول ذلك في كتابك. إن شكلا من أشكال الوطنية ينبعث عن المضمون الذي تضفيه على التقليد وإحياء التقليد لدى الحسن الثاني. لقد كان بهذا المعنى، وطنيا حيث فشلت الحركة الوطنية التاريخية، الكتلة والآخرون.
إذا ما رجعنا إلى الإنتاج العالم للحركة الوطنية الذي وصلنا على شكل كتب أو صحف مكتوبة، على سبيل المثال، فسنلاحظ أن أسس هذه الحركة كانت اللغة العربية، القومية العربية والإسلام. وقد تمت تعبئة الجماهير حول هذه الأسس وحول الانتماء للمغرب: «عاش المغرب». لم يكن الانتماء للمغرب يترجم عبر الكتابات، بل عبر المظاهرات والشعارات والملبس وعيد العرش، عبر الاحتفالات… لقد وضع أول عيد للعرش، مثلا، حدا فاصلا بين من هم مسلمون ومن هم عرب. لأول مرة أحتفل المغاربة بعيد بشكل مستقل، ليس بوصفهم مسلمين أو عربا، لكن بصفتهم مغاربة.
أصل الآن إلى سؤالي الثاني. ونحن نقرأك، نشعر أن الوطنية متعارضة مع كل ما هو خصوصي وكل ما هو تقليدي. أو بصيغة أخرى أنه لا يمكن للوطنية أن تتوافق لا مع التقليدانية وإعادة خلق التقليد، ولا مع القبلية والخصوصية والانتماء الأمازيغي، الخ. ونشعر أيضا أن هذا الموقف يتمفصل مع فكرة استحالة أن يكون مستبد وطنيا، وأنه كان يجب انتظار سنة 1974 ليصبح الحسن الثاني كذلك، وأنه لم يكن بإمكانه أن يصبح وطنيا إلا عبر اعتناق أطروحات الكتلة. بالفعل، لقد حصل تقارب في وجهات النظر بين الطرفين، لكنه تقارب بين أسلوبين لممارسة الوطنية. فعل الحسن الثاني ذلك بشكل مضمر، فطري، وربما يكون أحمد العلوي هو من وضح أكثر هذا النزوع أفضل من غيره. لماذا إذن تم قبول وطنية مستندة على «الشرع» من قبيل وطنية الحركة الوطنية الممثلة في الكتلة، وخاصة وطنية حزب الاستقلال، وفي نفس الوقت رفض الوطنية القائمة على التقليد نظرا لاعتبار أنها ليست وطنية؟ ومع هذا، فنحن نعلم أن الوطنية في العديد من الدول الأوربية قامت أولا على الثقافة، الحكايات واللهجات الشعبية. لقد شكل المحلي مصدرا للوطنية المغربية، والثقافة الشعبية حاضرة في هذه الوطنية.
عبد الله العروي:
لقد خصصت أطروحتي لدكتوراه الدولة للوطنية المغربية واستمر اهتمامي بالموضوع منذ ذاك. لقد قارنت إيديولوجيا الحسن الثاني التي وسمتها بالملكية، مع إيديولوجيا الوطنية كحزب وليس بوصفها مرادفة لمحبة للوطن. يمكن للمرء أن يكون محبا لوطنه دون أن يكون وطنيا. الوطنية، كما تطورت في المغرب في القرن التاسع عشر، تبدو جوهريا أنها من خلق الطبقة الكهنوتية بمكونيها الاثنين: طبقة العلماء «المستقلين»، أي الذين لم يكن ينفق عليهم المخزن، والآخرين، الكتاب، الذين كانوا موظفين لدى هذا المخزن. مما جعلني أعتقد، خلافا لما اعتقده بعض الباحثين ولما صرح به الوطنيون أنفسهم في حقبة معينة، أعتقد أنه لم تحدث قطيعة إبان قيام الحماية. إن من استلم المشعل هم سليلو هذه الطبقة الكهنوتية التي حاولت عصرنة البلاد، بتوافق مع العائلة العلوية الحاكمة خلال القرن التاسع عشر، والتي لم تنجح في مسعاها هذا. وهؤلاء هم من قالوا إبان الحصول على الاستقلال: المغرب الجديد من صنعنا.
والحال أن المنظرين الإيديولوجيين للحماية قاموا بتحليل مغاير لتاريخ المغرب. لقد كانوا يؤكدون على وجود مغربين: مغرب ناطق بالعربية وآخر بالأمازيغية، كما تمحورت سياستهم برمتها على الحفاظ عن هذه الازدواجية راسخة. مما أدى إلى أن الحركة الوطنية مجبرة، بقوة الواقع، على أن تظل أقلية، وذلك كيفما كانت شرعيتها التاريخية من جهة أخرى. نحن لا نتوفر على الإحصائيات، ورغم ذلك، وبما أن السكان الحضريين كانوا يمثلون بين 15% و 20% من مجموع السكان في 1955، وحتى لو أضفنا سكان المناطق القروية، فبإمكاننا التأكيد على أن الوطنيين، الموسومين كذلك على غرار الشيوعيين في البلدان الغربية، لم يكن باستطاعتهم أن يتجاوزوا ربع المغاربة. هكذا إذن، يتوفر لدينا تصوران اثنان: واحد سياسي والثاني سوسيولوجي. من يمثل البلاد سياسيا ومن يمثلها سوسيولوجيا؟ هذا هو النقاش الذي تواجهت عبره الوطنية كحزب مع الحسن الثاني. جوابا عن كل الذين كانوا يؤكدون عاليا وجهوريا: إننا نتكلم باسم جميع المغاربة، كان الحسن الثاني يرد: أنتم لا تمثلونهم جميعا لا سوسيولوجيا ولا تاريخيا. كان يعتقد أن المناطق القروية، بلاد السيبة في لغة المخزن والحماية، منغلقة في وجه الإيديولوجيا الوطنية. وفضلا عن ذلك، فقد كان متأثرا ثقافيا بإيديولوجيا لليمين الفرنسي مفادها أن الوطنيين جمهوريون بالقوة، يستمدون مشروعيتهم من الشعب وليس من التاريخ. وبصيغة أخرى، فإنه، بالنسبة للوطنيين، إذا كان هناك ملك، فلا يمكنه أن يكون سوى ملك المغاربة، وليس ملك المغرب. هكذا، ففي 1958، حين أسس الخطيب وأحرضان الحركة الشعبية وأعلنا نفسهما ناطقين باسم الأغلبية الصامتة، فإنها دعما تحليل الحسن الثاني الذي كان حينها ولي العهد فحسب.
وأنا أتناول كل هذه القضايا، فرض علي توضيح أنه كان ثمة معسكران، وأن الحسن الثاني، بفعل المصلحة السياسية والمعتقد الإيديولوجي، اختار خندقه، وذلك عبر احتضان ما أسميه المغرب الفولكلوري: الرزة، الجلباب، الفروسية، الخ.
بعدها، انضافت، إلى هذه الخصومة حول الشرعية التاريخية، مشكلة أكثر جدية وذلك أثناء صياغة الدستور. الحسن الثاني دافع بقوة عن الخصوصية المغربية، وعارض صراحة النزعة القومية العربية لدى اليسار، كما عارض بشكل أقل جلاء الإيديولوجية المالكية التقليدية لعلال الفاسي. هذا الأخير كان يريد، في أعماقه، تحويل النظام الملكي المغربي إلى خلافة أو إمامة شرعية. وهو ما رفضه الحسن الثاني، لأن ذلك كان سيقلص من اختصاصاته ويخلق مشاكل مستعصية مع الخارج. مثلما كان يرفض الديماغوجيا الشعبوية.
حين أقول هذا، فأنا أعطي للحسن الثاني بعد منظر سياسي، ملكي، متشبث بالشرعية ومناهض للوطنية التي لا يمكنها أن تكون، من وجهة نظره، إلا كليانية ويعقوبية، أي معادية للاختلافات الجهوية. وهي الاختلافات التي بذل الحسن الثاني كل ما في وسعه لكي لا تتلاشى. وإذ يُذكر الدستور أن للملك صيانة حقوق و حريات المواطنين و الجماعات، فإن هذا يشكل البصمة المميزة للمحافظة الليبرالية الأوربية، تلك التي تعتقد أنها هزمت الفكر الثوري في القرن التاسع عشر والشيوعية في القرن العشرين.
- محمد العيادي:
هناك إشارتان في كتابك تولدان التساؤل بالنسبة لمسألة الوطنية. أولا، تتحدث عن الحسن الثاني وقد تحول إلى زعيم يجادل الوطنيين، وتضيف أن هذا أثر على مفهوم الهيبة مما أدى إلى الانقلابين العسكريين. ثانيا، حين تشير إلى اختيار المساعدين، فإنك تتحدث على إفقاد الأفراد الجنسية، وإعادتهم للجماعات.
- عبد الله العروي:
لنحدد أولا مفهوم الزعيم: إنه القائد الذي يصل الحكم عن طريق انقلاب عسكري. انطلق الأمر في سوريا، ثم استمر بالتتابع في مصر، العراق، الجزائر، الخ. ولكي يصبح هذا القائد شعبيا، فإنه يتسلح بالديماغوجيا. الأمر يتعلق إذن بأسلوب في العمل السياسي، يبدأ بشكل لا واعي قبل أن يصبح مُقعّدا أكثر فأكثر في خطابات طويلة بل وكتب كذلك. في مرحلة معينة، تأثر الحسن الثاني بلا ريب بهذا الأسلوب. كان عليه أن يجد مساعدين لحكم البلاد. أين سيعثر عليهم؟ لقد كان عددهم جد محدود في الأحزاب، مما ولد شكلا جديدا من المنافسة مع الوطنيين.
إذا توفر لجهة حظ إنتاج شخص مقتدر، فإنه كان يتم اختياره ليصبح، بقوة الواقع وسواء سعى إلى ذلك أم لا، ممثل مصالح جهته لدى السلطة المركزية. وعلاقة بهذه الظاهرة، التي عرفناها جيدا والتي يمكن للذين عاشوا هذه الفترة أن يقدموا أسماء مرتبطة بها، فإنني استعملت صيغة إفقاد الجنسية. كان الفرد، بعد تأميمه داخل الحزب، يعود مجددا إلى أصوله طوعا أو كرها.
أما المجادلة، فهي تقلص دائما من قيمة كل من يتعاطاها بطيبة خاطر.
- محمد العيادي:
وماذا عن الإشكالية الجوهرية المتعلقة بالتناقض بين الوطنية والديمقراطية الجديدة؟
- عبد الله العروي:
في أيامنا هذه، وحتى في بلدان مثل الولايات المتحدة أو فرنسا، انطلقت التساؤلات حول العلاقات بين الجمهورية والديمقراطية. ويوجد مفهوم الدولة الوطنية في قلب هذه الإشكالية بالطبع. إذا ما استندنا إلى أرسطو، فإننا نلاحظ منحى الديمقراطية للتحول إلى ديماغوجيا. و هي تجد، اليوم، أفضل تعبير لها في إيديولوجيا حقوق الإنسان، الإيديولوجيا التي تدعو، كيفما كانت النتائج، إلى الدفاع عن حقوق الفرد في كل مكان ودائما، حتى حين يشكل ذلك مسا واضحا بمصالح الأمة والدولة. بينما من البديهي أنه يجب، من وجهة نظر الوطنية، التوقف عند حد معين، وأنه لا يمكن الذهاب إلى آخر حد في المنطق الديمقراطي. إننا ننسى وجود مذهب للحقوق المطلقة للفرد، مذهب معروف وجدير بالاحترام هو الفوضوية التي تطالب، بكل منطقية، بالتلاشي التدريجي للدولة. وإذا لم نذهب إلى هذا الحد، فإننا نقع في مآزق ونضطر للبحث على توافقات.
أعتقد جازما أنه من المستحيل تحديث بلد دون اعتماد النظام الديمقراطي. وحيث لا تتوفر شروط ذلك، فمن واجب القادة فعل كل شيء، بلا مماطلة، لخلق هذه الشروط، لأنه بدون ديمقراطية لا توجد مسؤولية سياسية. ومن جهة أخرى، كيف نحكم راهنا بلدا يسود فيه الفقر والأمية والزبونية؟ إنها مسألة تقدير، وليس من البديهي أنه بالاستطاعة القيام بالاختيار ذاته في كل مكان.
التقليد والثقافة السياسية
- محمد الطوزي:
«المغرب والحسن الثاني» مصدر ثري للمعلومات، شهادة رجل عاش عددا من الأحداث والأشياء. انطلاقا من هنا، يمكن أن نطرح عليك سؤالا لمعرفة الشروط التي أنجزت في رحمها تسلسل الأحداث. التسلسل يحيطنا علما بوضع الحدث لنقرأه ونفك شفرته. وبصيغة أخرى، نحن في حضرة كرونولوجيا لشيء ما يخترق المؤلف، أي بناء الدولة. ومع ذلك، من الواجب أن أسجل كون غياب بعض الأحداث من كرونولوجيتك، وهي أحداث ليست مهمة بالنسبة لك ربما، لكنها قد تكون كذلك بالنسبة لآخرين. أشير هنا إلى المحاكمات المختلفة والمتكررة. وبصفة شمولية، ما هو إذن الحدث الذي درسته بالنسبة لهذه الحقبة؟
- عبد الله العروي:
ربما هولت الوقائع وأنا أجعل من حكم الحسن الثاني مواجهة دائمة بينه وبين الخندق الوطني، مع حضور شاهد يشرح بين الفينة والأخرى لماذا يقول ما يقوله. لنذكر، مع ذلك، بأن الحسن الثاني لم يكن يكل ولا يمل من ترديد أنه عضو في عائلة المقاومين، وذلك خطابا إثر خطاب، وأن له الحق في انتقاد الأخطاء السياسية لرفاقه في السلاح. وفي رأيه، فالمحاوران الوحيدان الجديران بأن يتناقش معهما كانا علال الفاسي وعبد الرحيم بوعبيد، ذلك أن بن بركة عرف المصير المعلوم لدى الجميع. وكان يرد عليهما إما مباشرة وإما بواسطة أحمد العلوي. لم أخطئ تماما لما قدمت الأحداث كما فعلت. هل جعلت منه منظرا بالرغم منه؟ لقد حُكم المغاربة من طرف الحسن الثاني طوال 39 سنة، فهل سيكونون سعداء لو قيل لهم إنهم رُوضوا من قبل رجل بلا قدرات كبيرة؟
- حسن رشيق:
لنعد إلى سؤال الثقافة السياسية، ثمة طريقتان لتعظيم الأولياء، الأبطال، الملوك، الخ. تعتقد أنه كان يجب إقامة جنازة الحسن الثاني على أساس كونه بطلا وليس وليا. وتقول، وهذا صحيح، إننا لو كنا خضعنا لحماية ألمانية أو بريطانية، لعرفت جنازة الحسن الثاني مراسم عسكرية. قلت إن الأحزاب السياسية الوطنية كانت قليلة الإبداع لما طرحت عليها معالجة الذاكرة والمراسم.
- عبد الله العروي:
أصر على القول إن المثقف المغربي ينقصه الخيال.
- حسن رشيق:
كباحث أنثروبولوجي، أؤكد على وجود مئات التخصصات الثقافية… هناك ثقافة سياسية تنسى الشخص، التاريخ، تنسى الحدث بمجرد وقوعه. والحال أننا، حين نتكلم عن الديمقراطية، عن الوطنيين، الخ، فإننا نمتح من تراكم للذاكرات. لكنه ليس لدينا متحف تذكاري، في الدار البيضاء مثلا، كل ما نتوفر عليه يتمثل في أسماء شوارع مكرسة لبعض الوطنيين.
ولذا، فإن الثقافة الوطنية، ثقافة تكون ديمقراطية في الآن نفسه، تستحق علاقة مغايرة مع الماضي غير إعادة إحياء الطابع التقليدي. ليس هناك علاقة ديمقراطية «تقدمية» أخرى مع الماضي. كيف ترى علاقة مغايرة لا تكون تقليدية مع الماضي، العلاقة مع الأولياء، الأبطال والأحداث، الخ.
- عبد الله العروي:
يجب التذكير أننا كنا، إبان الحدث، نتوفر على حكومة تستحق هذا الاسم ورئيس حكومة كان يؤدي فعلا هذه المهمة. كان لدينا أمل في المضي نحو الإعمال التدريجي للدستور. وكان لزاما أن يدفع هذا الأفق المسؤولين، وفي مقدمتهم الحسن الثاني، إلى استشراف المستقبل. لكن روح الروتين منعتهم، حسب رأيي، من ذلك، وخاصة جدار التطير. لقد كان الحسن الثاني متطيرا على غرار كل المغاربة. ارجعوا إلى ما كتبته في هذا الصدد في «خواطر الصباح». ليس ثمة ما هو أكثر حزنا، أكثر إثارة للإحباط النفسي، من جنازات المسلمين. ذلك أن علاقتنا مع الموت شبه حيوانية، ومن ثمة، فمن العسير توضيحها والتفكير فيها، ثم تغييرها عقب ذلك. الطقس مثبت منذ قرون تحت عنوان «أدب الموت» في كتب التقاليد، وله دلالة قانونية، اجتماعية وأخلاقية كبيرة لدرجة لا يمكن معها لأي أحد التجرؤ على التفكير في إدخال أدنى تغيير عليه.
يمكن تفهم هذا الأمر على المستوى الشخصي، لكنه يمتلك، للأسف، تأثيرا على مستوى العقل العمومي. رئيس دولة ليس شيخ زاوية، ليس رب عائلة. ويجب التعامل معه على هذا الأساس (رئاسة الدولة)، لكننا نصدم في هذا المجال بالشعور المساواتي للمسلمين الذين يعتبرون الموت أكبر محقق للمساواة. لقد بقينا فعلا، بالنسبة لهذه النقطة، خارج سلطة روما التي كانت تضع نصب أعينها ترسيخ معنى الدولة لدى مواطنيها، فتنظم، من أجل بلوغ هدفها، بشكل فخيم تربع قادتها على العرش وجنازاتهم في نفس الآن، بل إنها كانت تذهب إلى حد تأليههم. وبالطبع، فالإسلام قد قام، منذ بدايته، ضد هذا الإفراط. لكنه مضى، بدون شك، أكثر من اللازم في الاتجاه المعاكس حيث نلاحظ، طوال تاريخنا، أن هذا أضعف معنى الدولة. وبما أننا غير مشاركين في هذا التقليد الروماني، فإن الجلوس على العرش والجنازة يتمان عندنا بارتجال، مما يفاجئ كثيرا ضيوفنا المنتمين لثقافات أخرى ويجعلهم يصفوننا بعدم النضج سياسيا. نحن لا ندفن أبدا الملك، بل أبانا جميعا. هذا أمر لطيف، هذا إنساني، إنساني أكثر من اللازم، والجميع يتذكر المثل القائل «ابن أو علي، سير أو خلي». في ظل هذه الشروط، كيف نرسخ إذن في العقول طموح بناء دولة قوية، غير مشخصنة، شيء غير ملموس لكنه منذور للبقاء؟ الحسن الثاني كان هو الوحيد القادر على فهم هذا الانشغال، لأنه ظل يحمل هم تشييد دولة تستحق صفتها هذه بجدارة، لكنه لم يكن ليتجرأ يوما على مس التقليد بسبب تطيره. ربما كان عقله سيقول نعم، لكن قلبه كان سيقول لا بكل تأكيد. هو ذا الحد الذي وصلنا إليه.
- محمد الصغير جنجار:
تقول إن الحسن الثاني كان يشعر بنوع من الحصر كلما تعلق الأمر بالقضايا الدينية. وهناك مثال تسوقه في هذا الإطار: كان يريد إصلاح التعليم، لكن طرح سؤال الدين في المدرسة كان يولد الانحصار في كل المستويات.
- عبد الله العروي:
مرة أخرى، هذه حالة جميع المغاربة. إنهم لا يتكلمون سوى على الدين، لكنهم لا يتحدثون عنه أبدا بروح نقدية أو ساخرة، بمعنى أنهم يخضعون له، لكن دون أن يشعروا به فعليا.
الدستور، إمارة المؤمنين وانتقال العرش
- محمد العيادي:
أشرت إلى المنافسة بين الوطنيين والحسن الثاني، الذي صار زعيما، وبسطت أطروحة علال الفاسي الذي كان يريد تحويل الملكية إلى خلافة، كما حددتها، وقيامها مكان الدولة. أربط هذا بتقييمك لدستور 62، وهو دستور تسمونه بالعلمانية، لكن شهودا مباشرين يؤكدون أن صيغته الأولى لم تكن تتضمن أي إشارة إلى إمارة المؤمنين. كيف تفسر إدراج هذا الفصل حول إمارة المؤمنين؟ كيف حدث الانزياح عن المنطق العلماني أو مسلسل العلمنة الذي كانت تشارك فيه الدولة والأحزاب السياسية قبل 65؟ وكيف يمكن أن نقارب مفهوم الإمامة في علاقته مع مسلسل إحياء التقليد الذي انتشر بعد 65؟ يبدو لي أنها أسئلة تستحق توضيحات أكثر.
النقطة الثانية: تقول إن الحسن الثاني كان وحده المؤهل لتغيير مراسم الجنازة، وأن هذا كان يجب أن ينجز من أجل نجاح انتقال العرش. تقول إنه كان بالإمكان انتقال العرش وتقديم البيعة وفق سيناريو آخر يمر عبر عمل الوزير الأول والبرلمان، وتضيف أن الحسن الثاني هو الوحيد الذي كان بإمكانه الإقدام على هذا التغيير.ألم يكن هذا سيشكل قطيعة مهمة في تاريخ السياسة المغربية؟
- عبد الله العروي:
أذكر أولا أن الحسن الثاني لم يكن يعير كثير أهمية لمنطوق الدستور في حد ذاته. لقد كان متيقنا أنه سيوظفه لصالحه في جميع الأحوال. ما يجب أن يهمنا إذن هو الممارسة السياسية. إذا طرحتم علي أسئلة تتعلق بالعقيدة، فسأجيبكم بأن مواقفي في هذا الصدد معبر عنها، في نفس الوقت، في الاستشهادات التي تفتتح فصول الكتاب وفي الملاحق الخاصة بالخصوصيات المغربية. لقد تحدثت ضمنها طويلا عن الإمامة وإمارة المؤمنين.
في القرن التاسع عشر، كان الحسن الأول يقيم تمييزا بين الشؤون المندرجة ضمن اختصاصات المخزن (الشؤون المخزنية) وتلك المتعلقة بالشرع. وكان واضحا للجميع أن الأمر يتعلق بمجالين مختلفين، وهو ما نتج عنه الفصل الوظيفي بين الكتاب والعلماء، حيث لم يكونوا يخضعون لنفس التكوين، ولم يكن لهم نفس الفكر، مثلما لم تكن علاقات السلطان مع الهرمين الوظيفيين متماثلة.
بعدها جاء الفرنسيون الذين عانوا الأمرين لتنظيم الحقل الديني في الجزائر، لدرجة أنهم لم يقروا مدونة الأسرة الخاصة بالمسلمين إلا قبيل الحرب العالمية الأولى، وهذا معطى كثيرا ما يتم إهماله.
ازدواجية السلطة التي وجدها الفرنسيون بالمغرب سهلت مأموريتهم. لقد بسطوا سيطرتهم كاملة على المخزن، أي الحكومة الدنيوية، بينما بقي السلطان الشريف يمارس دوره كرئيس لهرم العلماء التراتبي. لم تكن التسمية تهمهم (سلطان، إمام، خليفة، أمير المؤمنين)، فالسلطان بالنسبة لهم زعيم ديني، وهو ليس ملكا بالمعنى الغربي. وهذا هو الرأي الذي سعوا إلى مأسسته في 1955 بتعيينهم لبن عرفة سلطانا بمباركة حلفائهما، الگلاوي والكتاني.
مع الاستقلال، لم ينتبه الوطنيون إطلاقا لكون المسألة مستعجلة. وتم نقاشها في أوساط رجال الدين. اللقب لم يكن مهما بالنسبة للفرنسيين، لكنه كان كذلك بالنسبة للعلماء. ومحمد الخامس لم يعد سلطانا، بل صار ملكا، فهل هو أيضا، أو في نفس الوقت، خليفة، إمام، أمير المؤمنين، أمير المسلمين؟ وهو النقاش الذي حصل بين مختلف التيارات التقليدانية أو السلفية. الحسن الثاني، على غرار الوطنيين، لم يعر الموضوع كثير اهتمام حينها. لكنه استوعب أهميته شيئا فشيئا، وفي جميع الأحوال، فإنه فعل هذا أسرع من منافسيه. وحسب تحليلي، فإن الحسن الثاني، إذا كان قد قبل في نهاية المطاف حل إمارة المؤمنين المقترح رغم الإشكاليات الدينية التي يطرحها، فإنه أقدم على ذلك لوقف زيغان آخر كانت تمثله الخلافة المساندة من طرف علال الفاسي وعبد الله گنون، وهو المقترح الذي كان سيخلق مصاعب مستعصية الحل داخليا وخارجيا.
هل كان الوطنيون سيستفيدون من هذا النقاش لو أتيحت لهم فرصة المشاركة فيه؟ أعتقد ذلك. كان بإمكانهم التذكير بازدواجية السلطة في المغرب التقليدي وفي مغرب الحماية، وجعل هذا أساسا لانطلاق علمنة واقعية.
إن الموضوع صعب، ويستلزم توضيحات أكثر. ومع ذلك، لا يمكننا مؤاخذة وطنيي تلك الحقبة على عدم الاهتمام به، ذلك أننا نحن كذلك لا نتوفر على نظرة جلية حوله اليوم. يستشهد بعض الإسلاميين بابن حزم أو ابن تيمية، ويقولون إن العاهل الشرعي الوحيد هو أمير المؤمنين وإنه يجب توحيد السلطتين المدنية والدينية، المخزنية والشرعية، وذلك في قطيعة تامة مع التقاليد المغربية. وهم يغضون الطرف على كون الأول صاغ نظريته والأندلس على وشك التلاشي لأنها عجزت عن بناء دولة عقلانية مستقرة. أما الثاني، ابن تيمية، فقد أنشأ آلة حربية ضد التركمان الذين طردوا العرب من السلطة ولم يعترفوا لهم إلا بحظوة رمزية. المنظران معا لم يفعلا سوى القيام برد فعل حيال أزمة تدوم منذ قرون. فكيف نقدم ما شكل أصل الأزمة على أساس كونه حلا لها؟ ومع ذلك، فهذا ما يقوم به الناس الذين لا يمتلكون أي حس تاريخي، أية معرفة بالتسلسل الفعلي للأحداث.
- محمد العيادي:
سيناريو انتقال العرش!
- عبد الله العروي:
قضية انتقال العرش جد مهمة. وحولها اندلعت أول أزمة كبرى في الإسلام. وحول هذا الموضوع بالضبط، كان الحسن الثاني متشبعا بالشرعية بمعناها لدى الملكيات الغربية. ولذا، فرض انتقال العرش إلى الولد الأكبر سنا، وفعل هذا دون أن يعترض العلماء.
- محمد العيادي:
في الواقع، كنت أعني أساسا انتقال العرش في 1999 حين أثرت الموضوع، وفاة الحسن الثاني وتربع ابنه محمد السادس على العرش ودور البرلمان.
- عبد الله العروي:
من أجل فهم نمط تفكير الحسن الثاني، يجب الاهتمام بالجانب الآخر من تكوينه، الجانب التقليدي. ويتعلق الأمر بالعائلة، العلاقة مع الأم، آداب المعاشرة، الخ. وهنا نكون أمام مستوى شعوري أعمق من مستوى التحليل السياسي. نظريا، كان من الممكن إدخال عناصر تجديدية اعتمادا على الدستور. وعلى كل حال، فالملكية معرفة بكونها شعبية واجتماعية، وهكذا فإنه كان يكفي توسيع معنى الكلمات. بدل أن يضمن انتقال العرش عبر بيعة الأسرة، الحكومة ومجموعات مختلفة مثلما ظل هذا يحصل باستمرار، يمكن أن يتم ذلك من طرف الشعب ممثلا بالبرلمان. لقد مات الملك، لكن الدولة مستمرة. فمن يمثل هذه الاستمرارية خلال برهة وجيزة من الزمن؟ إنه الوزير الأول وهو يقف أمام ممثلي الشعب المجتمعين. مات الملك، عاش الملك، ليس ثمة قطيعة إذن. هكذا، نغادر المنطق العائلي، الشريف، لنلج منطق الدولة. وهذا لا يمنع المراسم الخاصة في أوساط العائلة. أما الجانب العسكري في تنظيم الجنازة، فهو يبرز أننا ندفن القائد، المنظم.
التقليد و التقليدانية
- محمد الصغير جنجار:
فيما يتعلق بما تسميه «المنعطف التقليدي»، ألا تظن أن اعتماد قانون للأحوال الشخصية، في 1957 _ 1958، متخلف بجلاء عن الاختيار التونسي المعتمد في نفس الحقبة، كان عملا دالا، علاوة على مباركة مختلف القوى السياسية المغربية له، وأنه شكل، منذ ذاك، مؤشرا على هذا التوجه التقليدي؟
-عبد الله العروي:
لا يمكن الحكم على نظام، كيفما كان، بدون أخذ وضع المجتمع بعين الاعتبار
س : قضايا الراهن تدفعنا إلي سؤال أساسي، الراهن الأساسي العربي، واهتمام العروي بما هو شمولي يدفعنا إلي ربط هذا الراهن بالراهن السياسي العالمي؟
ج : جوابي سيكون صريحا وفي غاية الصراحة، وهو أنه يصعب علي التدخل في هذا النقاش أي الراهن السياسي لسبب واحد لا علاقة له بشخصي، وهو أني لا أستطيع كمؤرخ وكمحلل أن أقف عند الظروف الراهنة أحكم علي هذا ضد هذا، مع هذه السياسة أو ضد هذه السياسة. فلابد أني أري الجذور دائما عميقة ومتشعبة. وبناء علي هذا، فمنذ ما يقرب من ثلاثين سنة وأنا أكتب، وأكتب محللا أن هناك بعد الأمور الضرورية لنا، بالنسبة لوطننا الصغير أو بالنسبة للأمة العربية عموما. هذه الأمور تتلخص في نقطتين أساسيتين هو: الإصلاح السياسي والإصلاح الثقافي، والإصلاح الثقافي يتقدم علي الإصلاح السياسي.
والواقع الحالي نتاج أسباب وظروف متعددة، منها التدخل الأجنبي الذي لا أنساه ولا يمكن أن أضعه بين قوسين، لأن التدخل الأجنبي هو أساس ما نعانيه منذ أعوام. ومع ذلك يبقي أننا كمغاربة أو كعرب لم نقم بما يجب من إصلاح، أي خلق ثقافة عصرية تواكب العصر الذي نعيشه كما فعلت شعوب أخري.
ودور المثقفين في هذا الخضم دور أساسي وأقولها صراحة أنهم لم يقوموا- مع استثناءات- بدورهم لأسباب يطول الكلام فيها.
وبناء علي هذا فكل ما نعانيه يترتب علي تقاعسنا في الماضي، فلذلك لا أستطيع أن أحكم علي هذا ضد هذا في حين أن المسؤولية قديمة ومشتركة، بحيث الضرورة وهي إبدال ثقافة عتيقة بثقافة عصرية مواكبة للعصر الذي نعيشه وهو القرن الواحد والعشرين بعد الميلاد أو القرن الخامس عشر بعد الهجرة، وما دمنا لا نقوم بذلك فلا يمكن لنا أن نجتاز المصاعب، ولا أن نتفادى مصاعب أخري وكبيرة جدا.
س : المسؤولية يتحملها المثقف قبل السياسي؟
ج : أكاد أقول ذلك، لأن السياسي عليه إكراهات منها التدخل الأجنبي كما قلت. أما المثقف نظريا فهو حر، يقول ما يشاء في الداخل وفي الخارج، فأرض الله واسعة. وإذا لم تستطع أن تقول ذلك في دارك فقلها خارج دارك، يبقي ما تقوله، وما قيل.. وأذكر أن كل الكلام الطويل والعريض كان عن الأصالة ومدة ثلاثين سنة : وماهي الأصالة؟ فالأصالة هي ما نراه الآن.. الأصالة ما هي الأصالة هي النتائج التي نراها الآن.
فإذا كنا نصفق لمدة عشرين سنة لكل من يتكلم باسم الأصالة، ورأينا النتائج فيما نراه كنتائج للأصالة، فلابد أن نستخلص النتيجة، وإذا كنا لا نريد ذلك ونتمادي في التصفيق، فكيف يمكن أن نري النتائج غير التي نراها.
ندعو اليوم للحداثة من بوابات متعددة بوابة الدولة وبوابة المجتمع المدني وبوابة الأحزاب السياسية إلي غير ذلك. هناك أصوات تتعالي من أجل المطالبة بالحداثة لكن السؤال الذي يحاصرنا هل فعلا لنا شروط إنجاز هذه الحداثة ؟
الواقع أن هناك عملية التعريب. نطالب بكل شيء علي هامش الحداثة، لكن عمق الحداثة غائب.
ماذا يقول بعض المثقفين الآن. يتكلمون علي ما بعد الحداثة، كما لو أننا كنا قد حققنا الحداثة والآن نعيش ما فوق الحداثة كما لو كانت الحداثة موضة. فلما تتكلم علي المينيجيب مثلا، تقول الآن مر زمن المينيجيب ، وعندما تتحدث عن الحداثة، يقول الحداثة…. لا، الآن نحن ما بعد الحداثة، أين ما بعد الحداثة، في أي بلد في أي سماء.
س : لكن هناك دوافع لقول ذلك، تتعلق بأن الفكر يشتغل في جهة والواقع في جهة أخري؟
ج : هناك دوافع اقتصادية واجتماعية وكان من الواجب دراسة هذا الواقع، ولماذا أوجد هذا الواقع نوعا من المثقفين المتقاعسين أو المرتدين. وقد عملت علي دراسة جوانب في هذا الموضوع. لكن القارئ عموما والقارئ المثقف والأستاذ، يرفض هذا المنطق. وبما أنه يرفض ذلك وتكون النتائج ما أري، أضطر إلي الصمت فماذا أقول، ماذا أقول ؟
س : الكل ينتظر ليسمعك باعتبارك مفكر له وزنه؟
ج : سأعيد ما قلته هو أن مهما كانت المصائب التي نعيشها، ونحن نعيش ذلك لمدة ثلاثين سنة ولكن كل مرة عوض أن نري أن الأساس هو أننا لم نقم بالإصلاح الثقافي الضروري والذي يرتكز عليه أساسا الإصلاح السياسي والاجتماعي نعاكس هذا المنطق ونقول لا الواجب هو التشبث بالأصالة دون تفسير ماهي حدود ذلك، يجب التشبث بها. لكن ماهو مدلول الأصالة.. ماهو ؟
س : هل المسؤول هي مسؤولية الدولة أم المجتمع المدني أم الحزبي أو ماذا؟
ج : كل واحد له حرية الحكم علي ذلك. أنا لدي موقف يرفضه الكثيرون وهو أنني أحمل أغلبية المسؤولية للمثقف الحر الذي له إمكانية الجهر بعقيدته. وفي غالب الأحيان لا يفعل ذلك. انظري إلي عدد المثقفين المرتدين.. لماذا أقول المرتدين لأنهم يدافعون عن ما يسمونه الفكر الحر أو الحداثة الخ، لكنهم أمس وغدا، لأسباب كثيرة منها الإغراء المادي، قد يدافعون عن غير ذلك، وهذا الواقع منذ عشرين سنة أو ثلاثين سنة.
إذا المسألة أخلاقية؟
طبعا، تكلمت في كتاباتي عن المسألة الأخلاقية، مع أني أعتبر أن بعض الظروف قد تدفع المثقف الي ذلك، منها حالته المادية الخ، لكن هناك مثقفين لهم حرية، ولأسباب يرتدون، وأعطيك مثالا بالمثقفين العرب الذين يوجدون خارج البلاد العربية تجدين أنهم كلهم مرتدين، لماذا؟ لأن الضغط عليهم في الخارج يجعلهم يرتدون إلي الرخاء عن موقف دفاعي. فعوض أن يتغلبوا علي هذا الموقف ويقولون أنا لا أهتم بالضيم الذي يلحقني وأنا في الخارج لكني أري أن الأمور من وجهة نظر المصلحة العامة وعلي المدي الطويل، فإنهم ينساقون مع العاصفة ويرتدون.
س : أي إننا أمام مأزق ثقافي وتاريخي، والسؤال ما العمل أمام هذا الوضع ـ خصوصا وانتم مفكر منتبه إلي الدروس التاريخية؟
ج : هذه هي النقطة الأساس. ففي غالب الأحيان المستمع أو القارئ يظن أن المثقف بما أنه يقول شيئا عليه أن يحقق ذلك الشأن بـ لا ـ لا هذا كلام لا معني له. أنا أقول ما ألاحظ لكن ليس أمامي الحل والعقد.
س : الحل والعقد بيد السياسي الذي له إكراهات أخري، لكنه لم يقم بالواجب.
ج : النقطة الأساسية في أول كتاب صدر لي عن الإيديولوجية العربية المعاصرة، كانت موجهة إلي رؤساء ـ ما كنت أسميه ـ الدولة القومية، كان عليهم أن يختاروا سياسة ثقافية تواكب الأهداف منها التصنيع والتحرير.. إلخ. لكنهم كلهم ـ هؤلاء الرؤساء ـ اختاروا طريقا آخر وهو المصالحة مع القديم لدوافع سياسية؟
س : لكنك انتقدت بشدة حينذاك ؟
ج : نعم انتقدت بشدة.. لكن أنا لا أقول أنهم كلهم أخطأوا، لأنهم كانوا أيضا بين المطرقة والسندان، كانوا بين مشاكل داخلية وخارجية، فلابد لهم من مصالح، كما فعل نابليون مع الكنيسة في فرنسا في أوائل القرن 19، وهذه حالة تاريخية معروفة، لكن النتيجة هي النتيجة، وبعد ذلك توالت الامور ولم نر زعيما سياسيا قام بما قام به مثلا مصطفي أتاتورك في تركيا، لم نر ذلك أبدا، فكان يقال لنا انظروا تركيا، هاهي فعلت ذلك، ولم تتقدم ولم تصنع، لكن لنري النتائج بعد خمسين سنة أو ستين. طبعا هناك تفاوت بين الدول. فقد قلت في إحدى كتاباتي أن هناك مثالا بالنسبة لنا في المغرب فيما يتعلق بالدول القريبة منا، في العشر سنوات الأولي بعد الاستقلال، توجهت تونس إلي هذا الاتجاه، ونري الآن النتيجة فإننا عندما ننظر إلي حالة تونس الاقتصادية نجدها مبنية علي الإصلاح الذي قامت في الستينات، وذلك لم يمنعها من أن تري مشاكل أخري، ولكن عموما القفزة التي قامت بها تونس مكسب لا رجعة فيه.
س : صدر لكم مؤخرا كتاب خواطر الصباح في الجزء الثالث، وقد أعلنتم بالمعرض الدولي للكتاب بالدار البيضاء، أنكم ستتوقفون عن كتابة هذه الخواطر. أنا أسألك أولا أين يمكن أن تموضع هذه الخواطر بحكم أنك روائي وناقد ومؤرخ، فأي خانة يمكن أن تضع هذا المثن الذي سميته بالخواطر؟
ج : عندي عشرة أو عشرين كتاب كلها لكتاب مشهورين صدرت لهم خواطر، منهم أندري جيد، فرجينيا وولف.. إلخ. فالكتاب عموما كيفما كان اتجاههم، أكانوا يكتبون في التاريخ أو السياسة لهم مذكراتهم، وكمثال هناك المؤرخ الكبير مشلي له كتب تاريخية وله أيضا مذكرات أو يوميات لم تصدر إلا بعد خمسين سنة بعد موته وتعد من أحسن ما كتب.
س : كذلك خواطر الصباح، لا نقول من أحسن ما كتبتك ولكن من أجمل المحطات التي وقفت عندها؟
ج : كان من الممكن أن أتركها تصدر بعد وفاتي. لكني فضلت أن أنشرها لسبب واحد. أولا لأنه ليس من
هناك تاريخ مكتوب، هو تاريخ السلالات الحاكمة والملوك، تاريخ المعارك الظافرة أو الخاسرة، ضد المنافسين المحليين أو الغزاة الأجانب. إلا أن هذا التاريخ لا يعلمنا شيئا ذا بال، ما خلا بعض الوقائع التي نستطيع التقاطها وجمعها فيما بين السطور.
وبإمكاننا إعادة كتابة هذا التاريخ بواسطة أدلوجة مخالفة للسير السلالية المقدسة أو للامبريالية الاستعمارية: وقد يمدنا هذا التاريخ المجدد بالقوة التي ستمكننا من التخلص من الأداليج السابقة. غير أنه مثل سوابقه لن يعلمنا شيئا كثيرا، ما عدا اكتساب وسيلة تمكننا من تنظيم نفس الوقائع والحكم عليها، على شاكلة مغايرة.
كما أن هناك اثنوغرافية مكتوبة من طرف المحتل، انتهت إلى إثبات وجود فروق جهوية فعلية، لكنها كانت مصحوبة بنية معلنة في العمل على استغلال هذه الاختلافات من أجل التفرقة، بحجة سكونية ما سمي بالأجناس غير قابلة للانصهار فيما بينها.
وبمقدورنا اليوم إعادة كتابة هذه الاثنوغرافية، على أساس إنقاذ محصول غني من الوقائع الثابتة علميا، وإن كانت هذه الأخيرة قد سخرت سياسيا، لأهداف غير علمية. وإذن فباستطاعتنا تحويل هذا الكنز وهذا التنوع إلى ثروة ثقافية. إلا أن هذا العمل لن يؤدي في أحسن الأحوال سوى لتكوين متحف فولكلوري وإلا إلى تجميع وقائع هي بدورها غير قابلة للتجانس.
وعليه، فيظهر لنا أن المهمة الأكثر استعجالا ونجاعة هي التي تحدد كموضوع لها إيجاد التفسير عبر التاريخ، لا لكيفية تكون الأمة المغربية، الشيء الذي سيرجع بنا إلى المتاهات الأولى، ولا لكيفية تشكل الثقافة المغربية، وهو ما سيقودنا إلى المتاهات الثانية، وإنما للطريقة التي تم عليها تكون المجتمع المغربي. ذلك أن هذه الطريقة تمكننا في آن واحد من التوصل إلى فهم علمي للنوعين الآخرين من القضايا اللذين تمثلهما الأمة والثقافة.
إن مشروعا من هذا النوع لا يمكن أن يكون ثمرة عمل إنسان واحد، في يومنا هذا. وفيما يخصني فليس لي لا من الطموحات ولا من الكفاءات ما يسمح لي بانجاز هذه المهمة لوحدي. ما أنوي القيام به بكل بساطة، هو محاولة تمهيد الطريق في هذا الاتجاه، بواسطة مجموعة من المحاولات والأخطاء، لكي يصبح بالإمكان، وفي آن واحد، إعادة تأويل الوقائع المتراكمة للتاريخين الاستعماري وما قبله، ومن أجل فتح سبل جديدة أمام البحث الاثنوغرافي والسوسيولوجي، بالمغرب.
1-لماذا تختلف المجتمعات، الواحدة عن الأخرى؟
سبق لعبد الله مازوني أن أبدى تبرمه من المواقف المتميزة بالحشو، لبعض مواطنيه، حينما كتب: .«لقد أصبح من باب تحصيل الحاصل أن هناك خصوصية جزائرية، من شدة ما تكررت هذه الفكرة لدرجة أن كل شيء، أو تقريبا كل شيء خصوصي في الجزائر. الإنسان، المشاكل، الحلول، الاشتراكية، الثقافة، السينما، المسرح، الموسيقى بل وحتى البرتقال. وعلى هذا النحو، نلجأ لاستعمال النعت «خصوصي» والاسم «خصوصية» في كل المجالات، وكأنهما أداة تفسير كونية، لما لهما من مفعول سحري ودلالات ثرة».
إن التيار الفكري المدان هنا، ليس في الواقع جديدا. ومن المفارقات العجيبة التقاؤه مع التيار الذي يدعو إلى سكونية الأعراف والعادات كتبرير للجمود والمحافظة. وإن المعني الحقيقي لأقوال مثل «هكذا خلقنا» و«تلك طبيعة الأشياء» لهو تبرير تقطيع العالم على هويات مجانية من طرف المستفيدين الحاليين من هذه الوضعية. وفي العمق فإن هذا الموقف الفكري لا يعدو أن يكون تحديثنا بسيطا لخلفيات باحثي الحقبة الاستعمارية من اثنوغرافيين وفولكوريين.
إلا أن هذا لا يتنافى مع الحقيقة القائلة بالاختلاف الفعلي للمجتمعات، بعضها عن بعض، في فترات معينة من التاريخ، واتصافها بنوع من «الخصوصية». وبمعنى أنه لا يمكن مقارنتها مع أي مجتمع آخر، وكونها تسلك في تحولاتها مسارات منفردة.
ونخلص من هذا إلى أن انتقاد أسلوب النفاق –أو الهوس- الكامن في الاعتصام خلف الخصوصية الفاتنة يعتبر ممارسة ناجعة لصالح الوقاية الفكرية، شريطة الاعتراف بالواقع المنفرد لمجتمع ما، ومحاولة تشخيص هذا الواقع، بصورة أفضل، وعلى أساس بذل المجهود المطلوب من أجل تفسيره.
إن القول باختلاف المجتمعات يفرض في حد ذاته وضع التساؤلات حول الأدلوجة الثاوية خلف تأملات عالم الاجتماع أو المؤرخ، عن وعي من طرفهما أو دون وعي بها. وكان المرفوض أن يكون من واجبنا قبل الإقبال على المغامرة العلمية، التصريح لدى الجمارك الابستمولوجية للعلم بنوعية السلع الفكرية التي نحملها، تحت مظاهر الكلمات وبطاقات الفرضيات.
إن أقل المحادثات شأنا، إزاء هذه المسألة، سواء كانت بسيطة أو متعالمة، لتثير الكثير من الغرابة، وكأن لم تكن للعلوم السياسية دوما سوى إسقاطات ضعيفة على التعليمين الثانوي والعالي. هناك افتراضات، بل ومسلمات متفيهقة في هذا الخصوص. ولكي نتمكن من إدراك مداها سنعمل على عرض ديوان من الحماقات المناقضة للسوسيولوجيا، كعلم.
أ-النظرية العنصرية أو المتسترة خلف العرقية هي الأكثر ذيوعا
تؤكد هذه النظرية أن مجتمعا ما يختلف عن مجتمعنا لكون أعضائه مختلفين عنا: أي أن بيننا وبينهم فروقا طبيعية تكاد تكوون قطيعة، ثابتة ونهائية، خصوصا عندما يكون أفراده جد مختلفين عنا من الناحية الجسمانية، من جراء لون البشرة أو القامة أو نسق الشعر، أو أحيانا بسبب الاختلاف في المظاهر المرتبطة بنموذج الحياة، بل وحتى بفعل المغايرة الناتجة عن مظهر جد مؤقت مثل اللباس. وتعتبر العرقية ETHNISME بدورها مقدمة للعنصرية أو عنصرية غير مكتملة بمجرد ما تنسب لشعب ما «نفسانية أساسية» مع اعتبار هذه الأخيرة معطى أوليا بدل معالجتها على أساس كونها منتوجا مجتمعيا ليس غير. وحتى ابن خلدون لم يستطع مقاومة هذا الإغراء عندما كان بصدد الحديث عن الشعوب المغربية. أما بالنسبة للاثنولوجيا الاستعمارية فإن أوج السياسية التي كانت تنهجها قد تجلى في إقامة تعارضات من نوع التعارض بين العرب والبربر، ذلك الوهم الذي لم يعدم حتى الآن من يعتقد فيه. وما يزال بين معاصرينا اليوم من يصدر أحكاما مسبقة على سكان مدينة أو ناحية ما، لا من أجل الفكاهة، ولكن لاتخاذها أسسا للتفسير السياسي، بكل بساطة.
إن العنصرية والجنسية ETHNISME تصدران في الواقع عن تيار كامل من المواقف و«التفسيرات» حيال «طبيعة» المجتمع المغربي، شبيه جدا، في عموميته، بمنظور الكيمياء الوسطوية للعناصر المادية للكون، من حيث أنها ثابتة ومتعارضة: كالنار والماء والتربة الخ. وما ترك المجال فسيحا أمام هذه الفيتيشية FETICHISME هو غياب نظرية جدية، حتى لو كانت بسيطة، وعلى شكل خطاطة، بل حتى ولو كانت خاطئة نسبيا، إلا أنها مع ذلك معممة على نطاق واسع.
ب-أما النظرية الجغرافية فأكثر رقة: وبحسبها فإن المجتمعات تختلف بعضها عن البعض الآخر، لوقوعها داخل مناطق «طبيعية» مختلفة (هذا بدون اعتبار الخصوصية الانتروبولوجية لمفهوم المنطقة الطبيعية). وهكذا فللمناخ وللنواحي التي يعيش فيها الناس مفعول على العادات والقوانين ونظام الحكم ومستوى الحضارة. وفي هذا الإطار فإننا نجد ابن خلدون، مرة أخرى، يثير مسألة تأثير الصحراء على المجتمعات الظاعنة. كما نجد مونتسكيو مصرا على مفعول المناخ في الأمزجة وروح الشرائع. بل أننا نجد في المغرب بعض المؤلفات التي لا تغفل عن إثبات العلاقة بين المناخ والتنقل الموسمي، مع أن مجتمعات مستقرة قديمة كانت متواجدة تحت مناخات مشابهة أو أكثر قساوة بل وأكثر تعارضا. وأمام هذه الحجة يصيح أصحاب الرأي السابق: لكن الأمر يتعلق في هذه الحالة إما ببني هلال وأما بالأمازيغ أي بالعنصر الليبي-البربري. وبعبارة أخرى فإن العرقية والنظرية العنصرية تأخذان، مجددا، في الظهور.
ج. تبتدئ مرحلة التعميق النظري التعميق بظهور النظريات التطورية. وبالنسبة لهذا الأخيرة، فإن السبب في الاختلاف القائم بين المجتمعات راجع للدرجات المتباينة التي تحتلها في سلم التطور، باتجاه تحقيق التقدم الذي يتحقق عبر سلوك مسار خطي LINEAIRE ووحيد. وإذا كانت دواعي الحيطة قد حالت دون التعبير عن الأشياء بهذا الوضوح التام، فإلى ذلك يعود جوهر النظريات التطورية، على العموم. وكيفما كان الأمر فلن يعود العنصر أو الجغرافية هما المحددين لـ«طبيعة» المجتمع، وإنما يجب البحث عن جوانب لهذه المسألة في التاريخ الخاص الذي مكنه من تجميع قسط من التجارب والتقدم، على منوال مغاير (لماذا؟ وكيف؟) لبقية المجتمعات. وبما أن مفكري القرن التاسع عشر الاشتراكيين كانوا سباقين إلى تطوير هذه الأفكار فإلى التيار الفكري الاشتراكي، على العموم، ترجع مساندة هذه التطورية، الحتمية، اللارجعية والسائرة وفق خط وحيد.
د- ثم جاءت النظرية الوظيفية الأكثر تفقها، وإن كانت متهمة بالسوداوية، لتزعزع أركان هذا النسق الجميل والمتصاعد. وحسب هذه النظرية، فمرد الاختلاف الحاصل بين المجتمعات إلى مشيئة الصدفة وإلى نتائج المحاولات والأخطاء المكتنزة عبر التاريخ. فعلى شاكلة التنظيمات البيولوجية، هناك بعض المجتمعات التي تتوفر أكثر من غيرها على «قدرة» في مجال من المجالات. فقد يكون هناك ميلان نحو تضخيم المقدسات، كما قد يكون هناك نزوع تجاه التضخم التقني. وعلى هذا النحو (؟) فإن مجتمعا ما قد يكون مجرورا نحو إنتاج المزيد من السلع، في يحن يساق الآخر نحو إنتاج المزيد من الأداليج أو الديانات: ومرجع الاختلاف في هذا الشأن إلى «حاجيات» الشعوب المعنية وإلى المنافسات فيما بينها. وإذا كان هناك من تغاير بين تطور الأنواع البيولوجية وتطور «الأنواع» المجتمعية فإن العلة في ذلك تئوب إلى السرعة في إيقاعات التبدل بالنسبة لهذه الأخيرة، وعلى الأخص إلى ظواهر المثاقفة (لكيلا نسميها ظواهر التدجين) التي أصبحت تفرض نفسها كقاعدة، على مر الأيام. واستنادا إلى هذه النظرية، فإن المجتمعات حينما تدخل في علاقات فيما بينها تصبح في نفس الوقت متنافسة في هذا المجال أو ذاك، مما تنتج عنه السيطرة المتبادلة أو الكلية، ومما يؤدي في نهاية المطاف إلى تغيير كبير في كينونتها، جميعا.
وبالنسبة للمغرب، لم تكن هناك حاجة إلى «توظيف» هذه النظرية، ذلك أنها كانت معاشة بحدة، لدرجة صرنا معها عاجزين عن إدراك التخلف على أساس كونه سيطرة، ليس غير.
ه- ثم ظهرت البنيوية التي طمحت لأن تلعب دور الطليعة في هذا النوع من الأبحاث. وتبسيطا لهذه النظرية –التي نجدها مع الأسف، مبثوثة في نصوص عسيرة الفهم، غامضة غالبا إلى الحد الأقصى، وإن كان هذا التبسيط يحتمل إثارة الجدال مع معتنقي هذه المدرسة، فإن الفروق التي يمكن ملاحظتها بين مختلف المجتمعات ما هي إلا سطحية وثانوية. فالإنسانية واحدة، ووظائفها الأساسية مكفولة في كل مكان، تبعا لعدد محدود من الأشكال الممكنة. ومما تشترك فيه كافة المجتمعات، انتظامها وفق أشكال يحددها نظام من التعارضات الديالكتيكية، معيشة على كافة المستويات، وداخل بنيات ممثلة تمثيلا متساويا، في جميع أرجاء المعمور. كفى إذن من العلية المبتذلة، ومن المعلولات التي تظهر وكأنها مسلمات! كل ما هناك أن اللعبة المجتمعية تحتوي على عدد قليل من الأوراق والقواعد، تتوزع باستمرار وفق أشكال تبدو وكأنها متغايرة، ولكنها في الواقع جد محدودة. وبإمكان خريطة أساسية لمواقع الارتفاع والانخفاض وأماكن الامتلاء والفراغ وكذا لنقط البياض والسواد الخ… تلخيص الفلسفة برمتها، فعلى سبيل المثال هناك توزان بين الدال والمدلول: أي أن تضخيم الشكل (الطقوس والاجتماعات الرسمية) يؤدي إلى تقليص المضمون (اللغو وعدم الإخبار)، ثم أن تقليص الشعائر (الأعلام على عجل) يؤدي إلى تضخم المضمون (الشائعات) وهكذا… وعلى هذه الصورة نتعرف على مجموعة من «قوانين البندول» و«القوانين المتاضدة» المنتمية لديالكتيكية شكلانية، تلك القوانين التي تشكل اللحمة الضرورية لعدد كبير من الأبحاث الجامعية «المتأرجحة».
و-ثم عملت النظريات البنيوية-التوليدية على تعديل التطورية بواسطة البنيوية. وتبسيطا للموضوع، مرة أخرى، فإن النظريات البنيوية-التوليدية تشرح لنا على أن هناك مجالات تكدس فيها المجتمعات، إلى ما لا نهاية (الحياة المادية، على سبيل المثال) أكثر مما توازن. في حين أن هناك مجالات أخرى تعمل فيها على تحقيق التوازن، أكثر من التراكم (الشكل، الفن…).
فقبل اكتشاف الكتابة لم يكن ممكنا للعلوم والتقنيات أن تنتقل وتتراكم إلا بواسطة المواد نفسها (بما يستتبعه ذلك من خلط بين الشكل والمضمون، بين الفن والمهارة، بين الأفعال والطقوس)، وإلا باعتماد الطريقة الشفاهية التي لا تخلو هي الأخرى من الخلط. وفي المرحلة اللاحقة تميزت المجتمعات الما قبل تاريخية بمظاهرها أكثر مما تميزت بمستوياتها المادية. بمعنى أنها كانت متسمة بتضخم في الطقوس وتعقد في المقدسات والبنيات الفوقية، وبمستوى واطئ للقوى المنتجة والتكنولوجيا. إن كل هذا هو ما يفسر الهوس الاثنولوجي وحب الاستطلاع البنيوي تجاه هذه المجتمعات.
وبعد اكتشاف الكتابة، وعلى الخصوص بعد استخدامها في الأغراض الدنيوية، والتي لا علاقة لها بالمقدسات، انقلبت الآية بفعل مسلسل التراكم ذاته الذي أتاحته الكتابة. وكان من نتيجة ذلك أن حققت قوى الإنتاج والتكنلوجيا وإنتاج الخيرات المادية تقدما كبيرا بالنسبة لما تم في مجالات الشعائر والبحث عن الأشكال: الشيء الذي يفسر نزوع التطورية إلى التبسيطات.
فهل يعني هذا أن هناك مجالات تحتفظ فيها النظرية بقوتها التفسيرية، في الوقت الذي تبقى فيه اللعبة البنيوية أكثر ملاءمة في مجالات أخرى؟ لا! إن تداخل هذه المجموعات التفسيرية أشد تعقيدا لكونها تتمفصل حسب أشكالا متغايرة في كل مجتمع على حدة، وعلى مستوى كل صعيد صعيد. وكيفما كان الأمر، فإن كل حديث عن هذه المسألة يجب أن يكون منطلقا من الوقائع.
ز- بين الفولكلورية والشيماوية SCHEMATISME هناك اتجاه آخر للبحث.
كان هذا الاستطراد المدرسي، نسبيا، والمبسط إلى حد ما، ضروريا، لكون المحاولة التفسيرية التي لدى جرأة الإقدام عليها خالية من الحياد والأحكام المسبقة وكثير من المسلمات. وبعبارة أخرى، ففيما يخص هذه المسألة، نجدنا أمام ثلاث احتمالات: أما أن نستمر في الطريق التي انتهجها قبلنا علماء الانثروبولوجيا والفولكور. فنضيف ملاحظاتنا إلى ملاحظاتهم، مع قليل أو كثير من التوفيق والموهبة. وأما أن نقدم على بناء انساق تعتمد في توضيحاتها على الوقائع المعروفة مسبقا، وأما أن نغامر في الطريق المؤدية إلى التقدم في معرفة الواقع، بفتح النقاش حول النظريات انطلاقا من الحقائق.
ويظهر لنا على أن الالتجاء إلى تجميع وقائع يطبعها التشتت والعزلة، بعيدا عن النظريات السارية الآن في العالم، أمر متجاوز وفولكلوري في نفس الوقت. كما يبدو لي أن الإعلان عن نظريات غير مدعومة بالوقائع، مثله مثل انتقاء الوقائع وترتيبها، داخل هذه النظريات، مسألة على قدر كبير من الدوغمائية. وإذن فمن الضروري، كما يتراءى لي، المغامرة بالبحث عن التفسيرات للكيفية التي تم عليها تشكل المجتمع المغربي، في خصوصيته التاريخية، انطلاقا من الوقائع التي تعرفها.
وإذا كان تصنيف مجتمع ما، في مرحلة معينة من التاريخ، مسألة تبدو وكأنها ضرورة أولية بالنسبة لعالم الاجتماع أو للرجل العملي، فإن الباحث المحلل سرعان ما يصطدم بتعقد وانتشار وتزايد الأنواع، فضلا عن الأنواع المصغرة الخاصة، جهوية كانت هذه أم محلية أم مؤقتة. ومن أجل الخروج من هذه البلبلة، غالبا ما يتم اللجوء، أما إلى المونوغرافية وإما إلى الشيماوية والتعميمية، أو يقع الارتداد إلى النوع المسيطر، باعتباره محملا بالمستقبل، من الناحية التاريخية.
ودونما ريب، فمن شأن تراكم المونوغرافيات، إثبات وقائع اجتماعية ملموسة، على مستوى الزمان والمكان، يمكن استمالها في التفسيرات والتركيبات. غير أنه في الظرف الراهن، وبسبب الافتقار إلى نظرية عامة في تصنيف المجتمعات الحقيقية، فإن المونوغرافيات تغفل عن الخصوصيات المميزة لهذه المجتمعات وتعمل بالتالي على تأجيل فهمها.
ومن باب تحصيل الحاصل أن الشيماوية والتعميمية واعتبار
حقوق الملكية الفكرية محفوظة باسم (عامر كنبور). يمكن إعادة نشر وتوزيع المحتويات الأصلية لهذا الموقع، بأي شكل من الأشكال، دون الرجوع إلى صاحبها، مع ضرورة الإشارة إلى المصدر بشكل واضح وكامل. كما أن إعادة النشر أو التوزيع يجب أن تكون كاملة، أمينة تحتفظ بذات المعنى الأصلي والشكل الأول للمحتوى المعاد توزيعه. غير ذلك، فإن المؤلف يحتفظ لنفسه بحق المتابعة القانونية لكل من أخلى بشروط الاتفاق، كتوزيع مع التعديل، أو الاقتباس دون الإشارة إلى المصدر..









